موازنة ٢٠٢٣م.. هل تنقذها الزيادات أم الدعم الخارجي؟

 

تحدٍ كبير يواجه موازنة ٢٠٢٣م بتوفير اكثر من ٦ تريليونات جنيه، لتغطية ايرادات الإنفاق للعام الجاري المقدرة بـ(٨،١٩٦) مليار جنيه، وفق منشور الموازنة..
وعلمت (السوداني ) ان الربط الضريبي للعام الجاري جاء في حدود ٢.٥ تريليون جنيه، اما بقية الإيرادات تكون موزعة مابين الرسوم الحكومية، الجمارك، وعوائد الذهب والنفط، والاستثمارات الحكومية في الشركات، الموانئ ،الطيران المدني.. خبراء ومختصون اكدوا انها قليلة لا تقارن بحجم الايرادات المطلوبة، في ظل الاشكالات التي تواجه مرافق الاقتصادية بالدولة وتراجع قطاعات الانتاج، مشيرين الى ان خيار الدعم الخارجي، قادر على اسناد الموازنة لكنه مرهون بالتوافق السياسي بالبلاد، متوقعين قيام الدولة بزيادة أسعار بعض الخدمات، منها الاوراق الثبوتية والخدمات الاخرى كالكهرباء والمياه والسلع الاستهلاكية، وحدوث معالجات في موازنة العام الجاري .
الخرطوم: ابتهاج متوكل
اشكالات سوء ادارة مرافق الاقتصاد وقال الخبير الاقتصادي بروفسير عزالدين ابراهيم، ل(السوداني) إن موازنة
٢٠٢٣م تعتمد على الضرائب بشكل اساسي ، الى جانب الرسوم المصلحية بأنواعها المختلفة، كذلك ربما رسوم العبور للنفط، إضافة الى بعض المنح الخارجية الخاصة بالاحتياجات الانسانية ، وايضا الاستثمارات الحكومية في الشركات، والموانئ والطيران المدني، وتابع هذه الإيرادات قليلة، مقارنة بحجم المبالغ المطلوبة، وذكر قطاع الكهرباء يمكن ان يحقق ايرادات، ولكن في الوضع الراهن صعب جدا، لافتا الى ان هنالك مشكلة مصروفات ،والحكومة تواجه تحديات دفع المرتبات وتضاعف ارقام المشتروات، لان الأسعار تضاعفت، واضاف : لابد أن يكون هنالك عجز في المصروفات.
واكد ابراهيم ان البلاد تعاني من اشكالات سوء ادارة في مرافق الاقتصاد بسبب تقاطع وتضارب القرارات والاجراءات ، ادت لعدم الاستفادة من الموارد المتاحة. للقطاعات المختلفة، رغم قدرتها على توفير ايرادات، (التعدين، الموانئ، الطيران، الصناعة ، الصادرات، وغيرها)،وزاد البلاد تستطيع توفير ايرادات حال احسن إدارة مرافقها الاقتصادية، متوقعا ان يتم استلاف من البنك المركزي لتغطية العجز، كذلك طرح شهادات شهامة وتقديم ضمانات، منوها الى ان الاستدانة الحكومية صارت ليست بالمشكلة الكبيرة ، وحاليا لاتتعدى ١٠% من الكتلة النقدية، ولكن لابد من اتخاذ اجراءات مرنة للتحكم في الكتلة النقدية، مشيرا الى ان الاجراءات القاسية اضرت بالانتاج ،وبجب ان تكون هنالك سياسات تشجيعية وتحفيزية لكل قطاعات الانتاج.

موازنة توسعية.. (قفزة في المجهول)
وانتقد الخبير الاقتصادي د. مكي ميرغني، غياب التخطيط والسياسات العامة في الدولة بسبب عدم وجود الرؤية. وقال في محاضرة مؤخرا، حول السياسات المالية والنقدية وموازنة ٢٠٢٣م، إن غياب الروية ادى إلى تخبط واتخاذ
قرارات ارتجالية لغياب المعلومات حقيقة. واعتبر ان موازنة 2023م، توسعية بما يقدح في امكانية صمودها ، وانها تقدر بحوالي ثلاثة اضعاف موازنة العام الماضي ، ويرى ان ذلك” قفزة في المجهول”، موضحا انها تظهر وجود زيادة في الصرف. واضاف هناك تحديات كثيرة تواجه الموازنة ابرزها ضعف القدرات التنفيذية في القطاع الخاص وزيادة العجز في الموازنة والميزان التجاري بجانب ضعف ميزانية النقد الاجنبي وعدم الشفافية والافصاح، وضعف الايرادات الولائية، ومزاحمة الشركات الحكومة للقطاع الخاص، كذلك التوسع في الموازنة، ولاية وزارة المالية على المال العام وغياب الاطار الكلي للموازنة في التخطيط المالي للموازنة في المدى المتوسط مع ربط القطاعات الاقتصادية الرئيسية بجانب التحديد المسبق لسقوفات الانفاق والاولويات وضعف الايرادات ونسبتها من الناتج المحلي الاجمالي علاوة على تدني معدلات النمو الاقتصادي وتنامي معدلات التضخم الجامح ومعدلات الفقر اضافة الى آليات المتابعة والتقييم.

مهددات الاستقرار الاقتصادي في البلاد
واستعرض الخبير عددا من مهددات الاستقرار الاقتصادي في البلاد اهمها عجز الميزان التجاري، وتراجع الاستثمار الخارجي، زيرو، وزيادة نسبة البطالة وقال انها اكبر مهدد امني للدولة، فضلا عن ضعف رؤوس اموال البنوك، وزيادة اعداد المهاجرين واللاجئين، وزيادة الدين الخارجي 77.2 مليار دولار الذي يشكل عبئا معوقا على الحصول على التمويل الخارجي الميسر، وكذلك استمرار تداعيات الحصار الاقتصادي وتعثر اتفاق سلام جوبا.
واشار مكي الى ان الوضع الاقتصادي يواجه مهددات تتمثل في تدهور الاوضاع الأمنية بالبلاد وتدهور بيئة الاستثمار الوطني لعدم استقرار السياسات واضعاف دور القطاع الخاص في التنمية، وانخفاض معدل النمو وكذلك تدهور سعر الصرف وضعف انسياب معدل الصادرات، وضعف البنى التحتية، وتعثر الفترة الانتقالية، وتراجع الدخل الحقيقي للمواطن ما ادى لتدهور الاحوال المعيشية.
ودعا الى ايقاف الحرب وتحقيق السلام ومكافحة الفساد وسيادة حكم القانون واعتماد برامج الاصلاح الاقتصادي لتحقيق نمو مستقر ومستمر بالاضافة الى تعزيز دور القطاع الخاص في التنمية عبر الشراكة مع القطاع العام، وانهاء مزاحمة الشركات الحكومية للقطاع الخاص ودمج السودان في الاقتصاد العالمي، وإصلاح هيكل الحكم والخدمة المدنية لرفع الكفاءة الإدارية والتشغيلية، وضرورة وضع استراتيجية للعون الخارجي تمكن البلاد من الحوكمة وجذب الاستثمارات، مشددا على ضرورة اتخاذ سياسات اقتصادية تستهدف زيادة الناتج القومي الإجمالي ورفع مستوى دخل الفرد، اضافة الى تحسين توزيع الدخول بين افراد المجتمع وتحقيق استقرار الاسعار، اضافة الى التشغيل الكامل للموارد..

الوضع الراهن للإيرادات
وقالت مصادر مطلعة، لـ(السوداني) ان الضرائب تعد المورد الرئيس لتمويل ايرادات الموازنة العامة، والربط المقدر لها في العام الجاري بنحو ٢.٥ تريليون جنيه.
وتوقعت المصادر، ان يزيد مبلغ الربط مثلما حدث في العام المنصرم، واضافت: توجد مصادر أخرى مثل الرسوم المصلحية، العوائد الجليلة للذهب، ولكنها قليلة الحجم.
واعتبرت المصادر، ان الدعم الخارجي مرهون بالتوافق السياسي، وذكرت انه حال عدم حدوث اتفاق سياسي، سيكون التحدي كبير في الايرادات الحقيقية والتضخمية(الطباعة). واشارت المصادر، الى ان ايرادات الفصل الأول كانت تقارب تريليوني جنيه في العام الماضي ، وعند مقارنة الاوضاع الحالية للمرتبات والاجور والمطالبة بزيادتها من قطاعات مختلفة، يجعل الامر صعبا جدا .
ويرى الأكاديمي د. محمد الناير، إن موازنة ٢٠٢٣م تعاني من تعقيدات كثيرة، بدءا من تأخر اجازتها، وقال ل(السوداني) إن سير موازنة ٢٠٢٣م، سيكون مثل موازنة العام الماضي بالاعتماد على الموارد الذاتية، والذي يجب ان يفهم بطريقة صحيحة ،كذلك معلوم كيفية سد العجز للموازنة ، عن طريق خيارات ، القروض والمنح الخارجية، والتي يتم الاتفاق عليها مسبقا، وحتى الآن لم يعلن عن ذلك، وياتي خيار الإصدارات الحكومية ،ويفترض ان يتم توجيهها الى المشاريع الانتاجية، ثم خيار الاستدانة من الجهاز المصرفي بنسبة لاتزيد عن ١%، من الناتج المحلي الاجمالي ، واضاف: الاقتصاد يتميز بموارد وامكانات يجب استغلالها لصالح الاقتصاد والمواطن معا ، محذرا من تحميل المواطن اي أعباء من خلال زيادة الرسوم الحكومية والضرائب، مشيرا إلى ضرورة توظيف موارد الاقتصاد لمصلحة البلاد والمواطنين.

حقائق وتوقعات.. عدم وجود خطط اقتصادية قصيرة اومتوسطة الاجل
وتوقع الخبير الاقتصادي بروفسير كمال احمد يوسف، ان تعتمد موازنة في غالب ايراداتها على الضرائب والرسوم والجبايات، وذلك لعدم وجود خطط اقتصادية قصيرة او متوسطة الاجل، ثم ضبابية الدعم الخارجي، وقال لـ(السوداني) إنه “للاسف الشديد” عندما تعرض الموازنة يتم التركيز على المصروفات، بينما يفترض الضرورة تستوجب شرح الايرادات وكيفية الحصول عليها، واضاف: توقعت التركيز على شرح الايرادات والتنوع فيها، وايضا ذكر المشاكل التي تواجه تطبيق الموازنة بكل شفافية، وماهو المطلوب من الجميع لمجابهة هذه المشاكل، مرجحا ان تواجه عقبات كثيرة واضرابات واعتصامات، كذلك التدخل فيها مرات عدة من أجل المعالجة .
واوضح المهتم بالشأن الاقتصادي د. خالد التجاني، أن الايرادات الاخرى بخلاف الضرائب والجمارك ، تبرز في الرسوم الادارية مثل استخراج الرخص التجارية، الجوازات، المعاملات الحكومية الاخرى، وقال لـ(السوداني) إن الموازنة ربما تتلقى منحا خارجية، لدول او مؤسسات تمويل دولية، ايا كانت نقدا او سلعا، وذكر أنه سبق وان اعلنت المعونة الامريكية عن التبرع بنحو ٤٠٠ الف طن قمح على مدى ٣ اعوام، مشيرا الى ان الاستدانة من النظام المصرفي يعد خيار لتمويل الموازنة.

خطوات مطلوبة.. مراعاة العدالة الاجتماعية
ودعا الخبير الاقتصادي د. هيثم فتحي، الى وضع خطة لزيادة إيرادات الدولة الضريبية وغير الضريبية، بما يتناسب مع القوى الكامنة غير المستغلة في الاقتصاد السوداني مع مراعاة العدالة الاجتماعية. ورهن ارتفاع إيرادات الموازنة العامة بارتفاع الإيرادات الضريبية، بنسبة 80 % من إجمالي الإيرادات تقريبا، متوقعا ان قيام الدولة بزيادة أسعار بعض الخدمات ، منها الاوراق الثبوتية والخدمات الاخرى، كالكهرباء والمياه والسلع الاستهلاكية وغيرها سنويا، وقال لـ(السوداني) إن وزارة المالية كان يجب عليها، التأكد من سلامة تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتحفيز انضمام الاقتصاد غير الرسمي لمظلة الدولة، وضبط المجتمع الضريبي وتغيير الثقافة الضريبية في المجتمع، كذلك الحفاظ على حقوق المستهلك بتشجيع إصدار الفواتير ، ورفع كفاءة وتطوير أداء الإدارة الضريبية ، واضاف : يجب ان يشمل تحديث وتطوير نظم المعلومات والربط بين المصالح الايرادية ، ونظم الفحص والتحصيل الإلكتروني وإصدار القرارات والتعليمات التي تضمن ضبط المجتمع الضريبي، كذلك توسيع القاعدة الضريبية مع التركيز على سد منافذ التخطيط للتهرب الضريبي وتحسين أداء الحصيلة الضريبية من بعض الأنشطة وفي مقدمتها المهن الحرة والضرائب المرتبطة بنشاط القطاع المالي.

موازنة ٢٠٢٣م.. تفاصيل وملاحظات
الموازنة العامة للدولة، تعرف انها بيان تفصيلي يوضح تقديرات إيرادات الدولة ومصروفاتها ، ويعبر عن ذلك بوحدات نقدية تعكس في مضمونها خطة الدولة لسنة مالية مقبلة، وهذه الموازنة يتم اعتمادها من قبل السلطة
التشريعية في الدولة.
في مطلع فبراير الجاري، اجيزت موازنة ٢٠٢٣م والقوانين المصاحبة، وبحسب وزارة المالية والتخطيط الإقتصادي، تهدف الموازنة إلى تحقيق عدد من الأهداف الاستراتيجية ، والمتمثلة في الإصلاح الإقتصادي والهيكلي وذلك بتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي والاعتماد على الموارد الحقيقية، إضافة إلى تحسين معاش الناس وخفض معدلات الفقر وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص بجانب تطبيق تقانة المعلومات والحوسبة المالية، وأن الموازنة ركزت بصورة أساسية على برامج الرعاية الاجتماعية، وتحسين معاش الناس ودعم التعليم والصحة وتوفير ومياه الشرب.
وبلغت تقديرات إجمالي الإيرادات العامة في الموازنة، (٧،٣٦٣) مليار جنيه بينما بلغ إجمالي الإنفاق العام (٨،١٩٦) مليار جنيه، وعليه يتوقع أن يبلغ العجز الكلي حوالي ١،٤% من إجمالي الناتج المحلي. وتعتمد الموازنة على الموارد الذاتية، والمساعي لتوسع المظلة الضريبية وضبط وترشيد الإنفاق الحكومي. وخصصت الموازنة حوالي (٧٢٢) مليار جنيه لدعم برامج التنمية ، ودعم عدد الأسر المدعومة بشكل مباشر إلى (١٠٠) ألف أسرة، وتوفير حوالي (٥٠) ألف وظيفة خلال العام المالي ٢٠٢٣م، وان الإنفاق على الصحة في هذه الموازنة يمثل ١٤،٧% فيما يمثل الانفاق على التعليم
١٠،٧%، والإنفاق على التعليم عبر الولايات سيبلغ إجمالي الإنفاق عليه ٢٠% من الموازنة العامة.

ترتيبات صرف موازنة ٢٠٢٣م
اعلنت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي عن ترتيبات إنفاذ موازنة العام المالي 2023م ، في مجال تحصيل الإيرادات القومية والإنفاق الحكومي، واستعرضت ترتيبات تحصيل الإيرادات القومية ، وفق فئات الضرائب والرسوم المقررة في موازنة العام 2023م ، مع متابعة التوريد في الحساب القومي للإيرادات، وإلزام الوحدات الحكومية والوزارات بالتحصيل بأورنيك 15 الإلكتروني، كذلك تنفيذ البرمجة الشهرية لتعويضات العاملين بنظام ال GRP ، وسداد التزامات المعاشات والتأمين الاجتماعي والصحي ،وتنفيذ موازنة شراء السلع والخدمات المجازة بالموازنة العامة للدولة حسب الأسس والضوابط الواردة بلائحة الإجراءات المالية والمحاسبية، كذلك شرح ترتيبات إنفاذ موازنة الهيئات العامة، والشركات الحكومية ومتابعة ادائها، بما يضمن تحقيق الربط المجاز في الموازنة العامة، الى جانب ترتيبات إنفاذ موازنة التنمية المجازة وفق البرمجة المخطط لها ، والصرف على التنمية القطاعية والمشروعات ، مع إلزام الوحدات الحكومية بالقوانين واللوائح المالية والأسس لضبط تنفيذ موازنة التنمية.

شارك الخبر
Leave A Reply

Your email address will not be published.