خارج الدوام محمد عثمان إبراهيم

السودان الإفريقي في معركة الإنتقال
قراءة في تشابه الأحوال والأهوال وتماثل الآمال

شارك الخبر

كان الرئيس الشاب توماس سانكارا زعيماً إفريقياً استثنائياً فاعلاً وخطيباً كاريزمياً مبهراً بيد أنه كان حاد الذكاء، وقادراً على استقراء المستقبل بشكل لم يتوفر إلا لقلة نادرة من الحكام الديكتاتوريين الثوريين ذوي الرؤية منهم والأغبياء، وربما الديمقراطيين أيضاً. قبل أسابيع من الانقلاب عليه ومقتله وتمزيق جثمانه إلى قطع، تغلق الطريق بالمرة أمام إعادة بناء الجسد وعلاجه في بلد يؤمن بالمعجزات، روت الكاتبة شيفون أوقرادي في مجلة فورين بوليسي (٣١ أكتوبر ٢٠١٤م) أنه كان يمزح حول احتمال قيام صديقه الأثير ونائبه بليس كومباوري بانقلاب دموي ضده قائلاً “كومباوري؟ إنه رجل ذكي جداً ومن طراز رفيع! في اليوم الذي تكتشف فيه أن بليس يعد انقلاباً شرساً ضدي فإنني أرجو ألا تكِلُوا أنفسكم بمقاومته أو تحذيري لأن ذلك سيكون متأخراً جداً”. كان الجميع في دوائر الطبقة المتنفذة والسلك الدبلوماسي الغربي يعرف أن سانكارا لن (وربما ينبغي ألا) يبقى في صدارة المشهد طويلاً وأن خليفته سيكون مساعده الذكي كومباوري.
حدثني دبلوماسي سوداني رفيع أنه التقى كومباوري بعد عقدين ونيف في قصر الرئاسة في واقادوقو وأدرك للتو أن هذا الزعيم المخضرم والواسع الصلات بمجتمع بلاده وزعماء القارة الإفريقية حكاماً ومعارضين، والرجل المهذب والحي والقليل الكلام بقدر يوشك أن يكون كتوماً هو شخص (غتيت)! ترى هل كان سانكارا يحتاج من ألسنة الناس إلى مفردة ذات دلالة كثيفة مثل غتيت هذه ليطلقها على الرجل الذي لم يخذل توقعه وجلس على مقعده ممتنعاً عن مغادرة المشهد العام في بلاده لـ٢٧ عاماً متصلة؟


في السودان حكم البشير أكثر ويبدو أنه كان أكثر براعة ودهاءً، ووفرة في الموارد والفرص، لكنه بالتأكيد لم يكن غتيتاً بل كان بالعكس كثير الكلام فيما يعرف ولا يعرف، ينثر الحكايات والوعود كيفما اتفق ثم ينساها ليعيدها من جديد ولعل إسهامه في إغناء الروح الفكهة للسودانيين، غير المعروفين عموماً بروح المرح، مما قد يحسب لصالحه في المستقبل إن وجد بعض ما يحسب لصالحه. غادر البشير المشهد مثلما غادر كومباوري وترك الاثنان بلادهما على طريق غير معبد ولا يفضي إلى شيء!


منذ إسقاط نظام البشير في أعقاب ثورة ديسمبر المجيدة وما تمخض عنها من سيطرة الجيش على السلطة، ظلت بلادنا تعيش وضعاً انتقالياً هشاً وضعيفاً. وبالرغم من انشغال الطبقة السياسية والجماهير في الداخل والخارج على حد سواء بقضية تشكيل مؤسسات الحكم ومن يشارك فيها فإن القلة القليلة اهتمت الاهتمام الملائم بقضية الفترة الانتقالية نفسها. حين كتب الكثير من الشرفاء والمثقفين عن ضرورة التفكير في البديل قبل التفكير في هدم أعمدة النظام القائم، كالت المعارضة السياسية الكسول والشديدة الانتهازية والخمول، السباب لهؤلاء الكتاب واتهمتهم بموالاة النظام، ومعارضة المعارضة، وزايدت عليهم بأن البديل هو الشعب السوداني، وهو قادر على إفراز قياداته في المنعطفات التأريخية، حتى إذا جاء المنعطف الحاسم في ١١ إبريل وأفرز قياداته ارتد المعارضون إياهم على أعقابهم وقالوا: لم تسقط بعد!
لقد كان شغف المعارضة بإسقاط نظام البشير بأي وسيلة مؤسساً على تصور رغائبي (خائب) بأن جميع الوظائف الحكومية السامية في البلاد والتي أحصاها البعض منهم ستوضع بطاقاتها فارغة على الطاولة، وإن شبيبة المعارضة السياسية ستكون هي البديل الأوحد المنوط به كتابة أسماء الأصدقاء والأحباء والمحاسيب على تلك البطاقات. لم يحسب أحد أن من يبذل الجهد الأعلى يداً في عملية إسقاط النظام هو من ستكون بحوزته تلك البطاقات وأنه لن يكون من البلاهة بحيث يمنحها لآخرين ثم يجلس كسيراً أمام بواباتهم بانتظار العطايا.


حتى الآن لم تبذل الطبقة السياسية حاكمة ومعارضة والنخبة المثقفة الطامحة للعب دور سياسي ـ بكل أسف ـ أي جهد في التنظير أو المساهمة في استقطاب الرأي العام حول أفكار محددة بشأن الفترة الانتقالية، وإنما انصرف الجميع لتأطير الفترة الانتقالية في وظائف تسمح بتسكين المشاركين في صياغة اتفاقاتها، وانطلقت حملات العلاقات العامة والترويج المعروفة بنشر السير الذاتية الزائفة، والمهارات المضخمة، والإنجازات المدعاة لا تلوي على شيء. ما انفكت النخب السودانية منغلقة على نفسها ومتكورة على ذاتها وما برحت مكانها تعتقد أن ما يحدث في السودان شأن فريد، وأن الثورات وتغييرات الأنظمة سلوك حصري لمواطنيه، وأن الفترات الانتقالية هي منجز خاص في سجل إنجازاتها.
لقد كانت للدول التي حولنا فقط تجارب ثرة في الفترات الانتقالية شهدتها دون ترتيب إثيوبيا، وإرتريا، وتشاد، وإفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، والكونغو الديمقراطية، ومصر الأقرب إلينا. وفي كل تجارب هذه الدول دروس وعبر ونجاحات يمكن النهل منها وأخطاء يمكن تفاديها. وفي ركنها الغربي المفعم بالحياة من بلاد الشمس المشرقة عبرت دول سيراليون، وساحل العاج، وغانا، وبوركينا فاسو، ونيجيريا، ومالي، وليبيريا مراحل انتقالية غاية في الدقة والشبه بالسودان فيما تنتظر يوغندا، والكونغو برازفيل، والكاميرون مراحل انتقالية حاسمة في تأريخها حين تربت الشعوب على أكتاف موسيفيني وساسو نغيسو وبيا طالبة منهم مغادرة المشهد. نأمل أن يكون السودان حاضراً حينئذ ليقدم فيض تجربته وعصارة خبرة أبنائه لشعوب تلك البلدان.
ستنهل هذه المقالة من التاريخ السياسي لدولة بعيدة جغرافياً عن السودان لكن أحوالها شبيهة بأحواله السياسية بشكل مدهش وهي بوركينا فاسو، وتأمل هذه المقالة في دفع النخب المثقفة للتواضع والانفتاح على تجارب الشعوب والأخذ منها بما يحقق الخير والنماء لبلادنا.


حصلت فولتا العليا (وهو اسم البلاد السابق) على الحكم الذاتي من فرنسا عام ١٩٥٨ ثم على الاستقلال بعد عامين في أغسطس ١٩٦٠م. ومثل السودان تولى الحكم فيها عدد من رجال الحركة الوطنية الذين تعلموا في مدارس المستعمر ثم قادوا النضال ضده. تحيط ببوركينا فاسو ست دول ذات امتدادات سكانية مما جعل البلاد عرضة للتدخلات الأجنبية واستضعاف التحالفات المجاورة. تولى الحكم عقب الاستقلال الرئيس موريس ياميوغو الذي كان موظفاً في الإدارة الاستعمارية وخطيباً مفوهاً مثله في ذلك مثل الزعيمين الأزهري والمحجوب، اللذين كانت لهما ملكات خطابية ومهارات إدارية اخترقا بها الطبقة المتنفذة التي كانت على وشك التشكل، لكن مثلما سقطت حكومة ما بعد الاستعمار السودانية على يد الجيش، سقطت حكومة بوركينا فاسو في العام ١٩٦٦ في انقلاب عسكري حكم البلاد لمدة ١٤ عاماً أي أقل بعامين من حكم الرئيس الراحل جعفر نميري.


ومثلما سقط حكم الرئيس نميري تماماً، سقطت حكومة الجنرال سانغول لاميزانا بواسطة الجنرال سايي زيربو، الذي واجه معركة شرسة مع النقابات العمالية واتحادات الطلاب ليسقط هو الآخر في انقلاب عسكري بعد عامين بقيادة دان بابتيست ويديراوغو، والذي قام بتعيين النقيب اليساري توماس سانكارا رئيساً للوزراء في العام ١٩٨٢م. لم تمض الأمور سلسة بين الرئيس ورئيس وزرائه وتزايدت الخلافات بينهما بشكل كبير وعلني وكان سانكارا يعتمد على شعبيته في أوساط النخب المدنية، وبطولته العسكرية في الحرب مع مالي، وقدراته الفكرية، والوهج اليساري الذي منح اسمه كاريزما ما برحت ترافق سيرته حتى بعد مقتله بعقود. حصل ويديراوغو على سند دولي من أجل (مفاصلة) مع شريكه في الحكم بدأت بوضع سانكارا ورفيقيه جان بابتيست لنقاني وهنري زونغو رهن الاحتجاز، لكن انطلقت في العاصمة واقادوقو تظاهرات شعبية عارمة وضغوط كبيرة في الشارع مهدت لانقلاب عسكري قادة الضابط في الجيش بليس كومباوري الذي قام بتولية سانكارا رئاسة البلاد فيما ظل معاوناً له كوزير للدفاع وصديقاً مقرباً منذ سنوات الطلب. بعد سنوات قليلة في العام ١٩٨٧م سيقوم كومباوري بانقلاب عسكري مفاجئ وخاطف بضوء أخضر أجنبي لم يفارقه لما يقارب الثلاثة عقود.
في ذلك الانقلاب الخاطف قتل الجنود الرئيس الشاب توماس سانكارا بتوجيه ١٢ طلقة إلى جسده ثم تم تقطيع جثته بالكامل ودفنها بشكل عاجل ودون مراسم مع مجموعة أخرى قتلت معه، وتولى السلطة كامباوري. بعد عامين تخلص كامباوري من رفيقي سانكارا القديمين لنقاني وزونغو حيث قام بإعدامهما على عجل في العام ١٩٨٩م بعد توجيه الاتهام لهما بالتخطيط لانقلاب عسكري. هكذا دانت البلاد للرئيس كامباوري الذي حكم لمدة ٢٧ عاماً متصلة عبر انتخابات كانت تمثل مسرحاً للرجل الواحد حتى استنفد الرجل فرصه الانتخابية وفقاً لدستوره الذي وقعه بنفسه، وما إن قرر الضغط على البرلمان للحصول على تعديل دستوري يمكنه من الترشح لدورة انتخابية خامسة في العام ٢٠١٥م حتى اعتمل الشارع بحراك سياسي مكثف شمل حزب الرئيس الحاكم نفسه. ما أشبه الخرطوم بواقادوقو!


خسر كومباوري سند حزبه (المؤتمر) من أجل الديمقراطية والتقدم تماماً كما خسر البشير سند (المؤتمر) الوطني، وتضامن المنشقون علناً من حزب كومباوري مع تجمع الشغيلة (الكونفيدرالية العامة لشغيلة بوركينا) مع نخبة الطبقة الوسطى ذات التعليم الأفضل في المدن وحركة ( Y’en a marre) أو إي إن آماري والتي تعني بالفرنسية لغرابة الصدف حركة (قرفنا)!
كان كومباوري متقلباً تجاه جيرانه ومثيراً للمشاكل معهم بالتناوب على نحو محير، فقد كان قريباً من تشارلز تايلور الرئيس ومجرم الحرب في ليبيريا، وكان متورطاً في النزاعات الداخلية في أراضي الجارة ساحل العاج، واتهمته الجارة غينيا بالتورط في محاولة اغتيال رئيسها موسى داديس كامارا، فيما ظلت جارته غير اللصيقة نيجيريا تجأر بالشكوى من تغاضيه عن معسكرات تدريب مجموعة بوكو حرام الإرهابية داخل أراضي بلاده! ما أشبه البلد بالبلد! لكأنه البشير وهو يدعم المعارضة الإرترية والإثيوبية والتشادية والليبية وجيش الرب اليوغندي ومعارضة جنوب السودان ويسمح بمعسكرات المتطرفين الإسلاميين ويورط بلاده في محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك!

لم ينته التشابه بعد! عقب الإطاحة بكومباوري، خرج العقيد بوريما فارتا إلى الجماهير المعتصمة خارج مبنى قيادة الجيش معلناً عزل الرئيس، ثم أعلن الجنرال أونوري تراوري قيادته للسلطة العسكرية لكن اليوم التالي حمل بياناً للجنرال آيزاك زيدا يعلن فيه توليه رئاسة السلطة العسكرية المؤقتة مستفيداً من حقيقة أن تراوري كان أحد رجال الجيش المقربين من كامباوري وقد هتفت الجماهير ضده باعتباره امتداداً للنظام السابق تماماً كما حدث مع الفريق أول عوض ابنعوف!
واصلت الجماهير الهتاف ضد زيدا نفسه، وواصلت اعتصاماتها وتظاهراتها مطالبة بسلطة مدنية، حتى أذعن الجيش لمطالبها وتم تعيين الدبلوماسي المخضرم ومندوب بلاده السابق في الأمم المتحدة ميشيل كافاندو رئيساً مؤقتاً للبلاد من بين أسنان الجيش. صمت الجيش لأقل من عام وهو يراقب الأوضاع ثم انقض مرة أخرى على السلطة لكن الجماهير وضغط المجتمع الدولي كانا بالمرصاد فأعادا السلطة إلى الرئيس كافاندو واعتذر قائد الانقلاب جيلبيرت ديينديري رسمياً وأجريت الانتخابات التي فاز فيها الاقتصادي والمصرفي روش كابوري الذي يتولى السلطة حالياً.


لا أزعم بالطبع أن تشابه الأحوال بين البلدين وتماثل الوقائع المدهش يمكن أن يفضي إلى نتائج متطابقة لكن هذا السرد يفضي إلى نتيجة مهمة وهي أن هذا البلد البعيد لديه ما يقدمه من تجربة حافلة بالثورات والعمل المدني والمراحل الانتقالية والأخطاء ومسارات الصواب.
لقد أعجز التصارع المبكر على الوظائف ومقاعد السلطة أطراف أزمة الانتقال في بلادنا عن الحلول الصحيحة، لكن لم يفت شيء الآن بل أنه مهما زادت الشقة بين القوى المدنية والعسكرية فإن التواثق على تعيين لجنة محدودة العدد من أهل الخبرة والتجربة والدراية والمعرفة لتضع تصوراً للانتقال على نحو شبيه بلجنة الخمسين التي ترأسها القيادي القومي ورجل الدولة عمرو موسى في مصر هي بداية روشتة النجاح. يحتاج المجلس العسكري إلى حوالي الـ٥٠ عضواً في لجنة لكتابة مسودة ترسم طرق المرحلة الانتقالية وشروطها وحدود الصلاحيات بينها من خلاصة النخبة السودانية العارفة من رجال قضاء وعلم ودبلوماسية ونشطاء من المجتمع المدني وعسكريين، ويناط بها فوق ما ذكرنا من مهام كتابة الإعلان الدستوري الحاكم والذي يفصل بين السلطات ويعيد النظر في كل القرارات المتعجلة التي صدرت منذ انتصار الثورة.


لغرض كتابة هذا المقال قرأت العديد من الكتابات وتلقيت العديد من المساعدات من أصدقاء أعزاء إعلاميين ودبلوماسيين، وقد لفت نظري أن الكثير من الدبلوماسيين الذين تواصلت معهم ولم يبخلوا بالرد على أسئلتي كانوا يوصونني في ثنايا وخواتيم رسائلهم وأحاديثهم بالتواصل مع السفير المخضرم الدكتور عبدالمحمود عبدالحليم، الدبلوماسي الحاذق والخبير بالشؤون الدولية والقارية الإفريقية، إضافة إلى اهتمامه ببوركينا فاسو على وجه خاص.
في ٢٩ يوليو ١٩٨٧م، وقف الشاب الثلاثيني توماس سانكارا بقميصه المحلي البسيط مخاطباً الزعماء في قمة منظمة الوحدة الإفريقية بأديس أبابا، في واحدة من أشهر خطبه العميقة والقوية والمفعمة بالفكر والشباب والأمل وأيضاً المرح. طالب سانكارا القمة باتخاذ قرار جماعي بالتوقف عن سداد الديون المالية للغرب، وقال إنه إذا اتخذ قراراً كهذا لوحده فإنه لن يحضر القمة القادمة (ملمحاً بشكل لا مواربة فيه بأن الغرب سيغتاله) كان خطاباً تاريخياً وصادقاً لدرجة أن صاحبه لم يحضر القمة التالية كما توقع. من ذلك الخطاب بدأت الصلة بين الدبلوماسي السوداني الشاب الذي كانه السفير عبدالمحمود داخل ذات القاعة المهيبة وبين أرض الرجال الشرفاء (كما يعني اسم بوركينا فاسو) وهي صلة توشحت بصداقات عامرة وصلات ممتدة لم تنقطع بينه وبين رجال الدولة هناك حيث ربطته صداقة مع ميشيل كافاندو السفير والرئيس لاحقاً، والذي قاد تجربة المرحلة الانتقالية وصداقة مع المبعوث الأممي لدارفور جبريل باسولي، دبلوماسي الأزمات المخضرم وأحد المرشحين الكبار لتولي السلطة في بلاده في الانتخابات المقبلة. اقترب السفير عبدالمحمود من الرئيس (الغتيت) بليس كومباوري في عدة مناسبات ورافق نشاطاته إبان زيارته للسودان بصفته رئيساً للدائرة الإفريقية بالخارجية. سألت السفير عبدالمحمود ضمن حوار مفيد وممتع عما يتوجب على أطراف النزاع فعله وجاءتني إجابته حاضرة “المطلوب حالياً من المجلس العسكري والقوى السياسية المدنية الاتفاق والخروج بمساومة تاريخية لانطلاق البلد نحو ديمقراطية حقيقية شبيهة بتجربة الكوديسا في جنوب إفريقيا، وتجربة مؤتمر السلام والانتقال الذي تواضعت عليه الفصائل الإثيوبية عقب سقوط منقستو. لا بد قبل الشروع في هذا الاتفاق تغيير منهج الطرفين في النظر لبعضهما البعض فالنظر للقوات المسلحة ينبغي أن يستصحب الدور الجديد للمؤسسة العسكرية المنظمة في إفريقيا والتي تمثل هنا سوداناً مصغراً باعتبارها قوة اجتماعية تجاوزت حمى الانقلابات، وتغيرت عقيدتها العسكرية بعد انتهاء حروب التحرير وحل العديد من النزاعات بالتفاوض وتوقيع اتفاقيات السلام، وتحولت إلى أحد معاول البناء والتنمية. وبالمقابل ينبغي للقوات المسلحة أن تعترف بأن دورها هو حماية ورعاية أمن الوطن عقب انتهاء الفترة الانتقالية وأنها لن تكون ضمن المنتخب الذي سيخوض بعد ذلك مباريات التداول السلمي للسلطة”. من العار على هذا الجيل أن تتوه البلاد منه لثلاثة أشهر متصلة وفيها مثل السفير عبدالمحمود وغيره من رجال الدولة الناجحين والمخضرمين. إن على رجال المجلس العسكري الانتقالي ونشطاء القوى السياسية المدنية، أن يدركوا الحقيقة السهلة والبسيطة بأن وجودهم في المكان الصحيح من الحاضر مرهون باستعانتهم بالرجال المناسبين والنساء المناسبات في المواقع المناسبة وإلا فإن مكانهم سيبقى محفوظاً مع الرجال الخطأ في صفحة التأريخ!


إننا نتطلع إلى صناعة المناخ المناسب للسلطة وليس إلى صناعة موظفين للسلطة، ونتطلع إلى رجال ونساء في كافة مؤسسات السلطة يمثلون النخبة العارفة وجميع أهل السودان وليس إلى نشطاء ممن يتطلعون إلى خلافة الذاهبين. إننا بحاجة إلى منهج يستلهم تاريخ وحاضر ومستقبل إفريقيا والشعوب الشبيهة وليس إلى فرض نموذج الربيع العربي المخذول. إننا بحاجة إلى تصور للانتقال قبل الصعود إلى سفينة الفترة الانتقالية. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!

شارك الخبر
Leave A Reply

Your email address will not be published.